حسن الأمين

164

مستدركات أعيان الشيعة

خصوما عنفوا في خصومته ، إلا أن الأيام برهنت للجميع على أن تمسكه بالقانون ، واليد القوية في الحكم كانت في مصلحة البلد « . ( 1 ) ومن الأمثلة الكثيرة على شجاعة رستم حيدر وصلابته خلال خدمته الطويلة في العراق ، ايعازه بحجز أموال الملك فيصل الأول حينما كان وزيرا للمالية . وقصة ذلك أن رستم حيدر كان قد أصدر قانونا جديدا لتحصيل الديون المتأخرة للحكومة ، وكان معظم الذين تأخر تحصيل الديون منهم من ذوي النفوذ : من الخزينة ( الملكية ) الخاصة ، إلى الوزراء ، وشيوخ العشائر وغيرهم . وبدأ رستم أول ما بدأ بتطبيق القانون على الخزينة الملكية الخاصة ، فانذرها بدفع المتخلف عليها ، وكان يبلغ حوالي عشرة آلاف روبية . فاعترض ناظر الخزينة الخاصة ، صفوة العوا مستنكرا إنذار الخزينة الملكية الخاصة بسداد دين متأخر . وعندها طلب رستم وضع الحجز على أملاك الملك في الحارثية ، وأنذر ناظر الخزينة الخاصة بالتنفيذ ، فهرع الناظر إلى الملك فيصل وشكا الأمر إليه . وكان عبد الله الحاج ، من رجال الملك فيصل في العراق في ذلك الوقت ، مساعدا لرئيس الديوان الملكي ، ومدرسا في دار المعلمين . وقد روى هذه الحادثة التي شهدها بنفسه في حديث أدلى به في بغداد إلى صحيفة عراقية ، مع طرف من ذكرياته عن فيصل والعراق ، خلال زيارة قام بها إلى العراق بعد ذلك بأكثر من عشرين عاما ، فقال إن ناظر الخزينة الخاصة ربما صور المسألة للملك بشكل مشير ، مما أثر في نفس الملك ، ولكنه فيما يبدو لم يرغب في مفاتحة رستم بالأمر بنفسه ، فكلف عبد الله الحاج بذلك . قال عبد الله الحاج : « قال رستم عندما كلمته بالأمر : إنني أنفذ إرادة جلالته ، فهو الذي وقع القانون بيده ، وأنا أعمل على تشريف توقيع جلالته بالحجز على الحارثية . فإذا سمح جلالته بذلك فإنه يكون قد وضع الحجر الأساسي لاحترام القانون في الدولة . فعدت وعرضت ذلك حرفيا على جلالة الملك فيصل فارتاح للأمر وزال أكثر الأثر الذي تركه لديه الشكل الذي وضع به القضية ناظر الخزينة الخاصة . وعندها أصدر جلالته تعليماته للناظر بوجوب الدفع واحترام القانون » . ( 2 ) وحدث بعد انقلاب بكر صدقي في العراق أن بدأت تكتلات جديدة في الجيش ، وأخذ رجال السياسة يحاولون اجتذاب عدد من ضباطه إلى جانبهم ، واستغلت في هذا المجال صلات القربى والصداقة والجوار ، بعد أن وجد أولئك الساسة أن المناورات السياسية تنهار أمام القوة العسكرية ، كما حدث في ذلك الانقلاب . وقد أدرك هذا الوضع ، وشهد الحالات النفسية التي ترافقه ، رجل ذكي كرستم حيدر ، وكان بعد سقوط حكومة الانقلاب قد أصبح في سنة 1938 رئيسا للجنة المالية في مجلس النواب ، فادخل في تقريرها حول ميزانية تلك السنة فصلا شديد الديباجة في وجوب الحيلولة دون تدخل الجيش في السياسة ، مما أثار غضب بعض رجال الجيش في ذلك العهد ، وكانوا لا يزالون مسيطرين على الوضع السياسي إلى حد بعيد ، فلم يبال رستم بشيء من ذلك . ( 3 ) ومن غريب الصدف أن يفاجا رستم نفسه بزيادة ضابط برتبة ( نقيب ) في وزارة المالية ، بملابسه العسكرية ، بعد أن أصبح رستم وزيرا لها في وزارة نوري السعيد ( الثالثة ) فيطلب أن يمنح أقاربه أراضي ، فيسأله رستم بآية صقة يكلمه ، فيجيبه : بصفة ضابط في الجيش ، وأن له فضلا في مجيء رستم وغيره إلى الوزارة . فيجيبه رستم إن هذا الضابط لا يجهل أن له أمراء في الجيش أعلى منه رتبة ، وأنه إذا قدر لرستم أن يوزع الأراضي بالأوامر العسكرية فالأحرى أن تأتي هذه الأوامر على الأقل من كبار أمراء الجيش الذين يأتمر هذا الضابط باوامرهم . وقد نقل رستم هذا الحديث إلى أحد أركان الكتلة العسكرية ، فثارت ثائرته على هذا الضابط ، وأفهمه أنهم ليسوا عصابة جاءت لابتزاز الأموال وانتهاب الأراضي ، فسخط الضابط وانقلب ولاؤه إلى عداء شديد ، واشترك في المؤامرات التالية ضد أولئك الضباط . مشروع العملة الوطنية ومن منجزات رستم حيدر في وزارة المالية هو قانون العملة العراقية الذي تبنى مشروعه ونفذه ، فحقق بذلك للعراق استقلاله النقدي . وكانت العملة المتداولة في العراق منذ الاحتلال البريطاني هي « الروبية » الهندية وتوابعها ، التي فرضتها حكومة الاحتلال ، وبقيت عملة رسمية في العراق . وقد شعر رستم حيدر أن من الضروري إحداث عملة خاصة بالعراق بعد أن أصبح دولة مستقلة ، كما أن القانون الأساسي ( الدستور ) كان قد نص على وجوب سك عملة وطنية للدولة . وقد تمكنت وزارة نوري السعيد الأولى ، بمبادرة من وزير المالية رستم حيدر ، من تحقيق هذه الأمنية الوطنية ، فسنت « قانون العملة العراقية » الذي أصبح بموجبة الدينار ، العراقي وتوابعه من قطع النقد الوطني ، عملة رسمية للعراق اعتبارا من أول نيسان 1932 ، وكان رستم حيدر هو الذي وضع هذا المشروع ودافع عنه في البرلمان . وقد عارض المشروع بعض رجال السياسة ، وكان منهم من يعارضه لمجرد أن صاحبه هو رستم حيدر . ( 4 ) مشروع الغراف والخلاف عليه كان مشروع الغراف من أهم المشروعات التي حاولت الحكومات المتعاقبة على الحكم في العراق تحقيقة ، كما أنه من أهم الأعمال التي تبناها رستم حيدر ، وكان لهذا المشروع أثر حاسم في حياته السياسية ، وعلاقاته بنوري السعيد . و « الغراف » نهر قديم أحدثت فيه الفيضانات المتعاقبة ترسبات أدت إلى ارتفاع قعره ، وانخفاض مياهه ، وجفاف معظم الأراضي الزراعية التي

--> ( 1 ) رفائيل بطي ، المرجع سالف الذكر . ( 2 ) حديث للأستاذ عبد الله الحاج ، النائب اللبناني السابق ، وعضو الجبهة الاشتراكية في لبنان ، إلى جريدة ( الشعب ) ، بغداد ، السنة 9 ، العدد 2515 الصادر في 2 مايس 1953 . ( 3 ) رفائيل بطي ، « رستم حيدر » - مقالة في جريدة ( البلاد ) السنة 27 ، العدد 4553 الصادر في 22 / 1 / 1956 ، بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لوفاة رستم حيدر . ( 4 ) ساطع الحصري ، مذكراتي في العراق ، الجزء الثاني ، دار الطليعة ، بيروت ، 1968 ص 576 - 577 .